الثعالبي

217

جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )

تصرفه هذه الفرقة ، لشذوذه وقلته ، ومنه قوله تعالى : ( فإذا هم مبلسون ) [ الأنعام : 44 ] أي : يائسون من الخير ، مبعدون منه فيما يرون ، و ( أبى ) : معناه : امتنع من فعل ما أمر به ، ( واستكبر ) : دخل في الكبرياء ، والإباءة مقدمة على الاستكبار في ظهورهما عليه ، والاستكبار والأنفة مقدمة في معتقده ، وروى ابن القاسم ( 1 ) عن مالك ، أنه قال : بلغني أن أول معصية كانت الحسد ، والكبر ، والشح ، حسد إبليس آدم ، وتكبر ، وشح آدم / في أكله من شجرة قد نهي عن قربها ( 2 ) . * ت * : إطلاق الشح على آدم فيه ما لا يخفى عليك ، والواجب اعتقاد تنزيه الأنبياء عن كل ما يحط من رتبتهم ، وقد قال الله تعالى في حق آدم : ( ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما ) [ طه : 115 ] . وقوله تعالى : ( وكان من الكافرين ) : قالت فرقة : معناه : وصار من الكافرين ، ورده ابن فورك ، وقال جمهور المتأولين : معنى : ( وكان من الكافرين ) ، أي : في علم الله تعالى ، وقال أبو العالية : معناه : من العاصين ( 3 ) ، وذهب الطبري إلى أن الله تعالى أراد بقصة إبليس تقريع أشباهه من بني آدم ، وهم اليهود الذين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، مع علمهم بنبوءته ، ومع تقدم نعم الله عليهم ، وعلى أسلافهم . * ت * : ولفظ الطبري ( 4 ) : وفي هذا تقريع لليهود ، إذ أبوا من الإسلام مع علمهم بنبوءة رسول الله صلى الله عليه وسلم من التوراة والكتب ، حسدا له ، ولبني إسماعيل ، كما امتنع إبليس من السجود ، حسدا لآدم وتكبرا عن الحق وقبوله ، فاليهود نظراء إبليس في كفرهم وكبرهم وحسدهم وتركهم الانقياد لأمر الله تعالى . انتهى من " مختصر الطبري " لأبي عبد الله اللخمي النحوي . واختلف ، هل كفر إبليس جهلا أو عنادا ؟ على قولين بين أهل السنة ، ولا خلاف أنه

--> ( 1 ) عبد الرحمن بن القاسم العتقي : جمع بين الزهد والعلم ، وتفقه بمالك ونظرائه ، وصحب مالكا عشرين سنة ، وعاش بعد اثنتي عشرة سنة ، مولده سنة اثنتين وثلاثين ومائة ، ومات ب‍ " مصر " سنة إحدى وتسعين ومائة . ينظر : " الطبقات " للشيرازي ( 150 ) . ( 2 ) ينظر : " المحرر الوجيز " ( 1 / 125 ) . ( 3 ) أخرجه الطبري ( 1 / 266 ) برقم ( 705 ) . ( 4 ) ينظر : " تفسير الطبري " ( 1 / 510 ) .